اللغة العربية أثرها وأصلها على الحضارات

لا يمكن لأحد أن يتجاهل إحدى المسَلّمات الشائعة في علوم اللسانيات والمتعلقة بكون اللغة العربية هي من أكثر اللغات السامية المعروفة سعة في الانتشار، إذ تُحدثنا الإحصاءات أن هناك سبعمئة وواحدا وعشرين مليونا ممن يتحدثون العربية، ناهيك عن أن ما يقارب نصف هذا العدد يدرك اللغة ويتعبد بها.

المؤلف: هيثم غالب الناهي المصدر: مركز الروابط للبحوث والدراسات التاريخ : 13/01/2020 المشاهدات : 111

المحتوى

لا يمكن لأحد أن يتجاهل إحدى المسَلّمات الشائعة في علوم اللسانيات والمتعلقة بكون اللغة العربية هي من أكثر اللغات السامية المعروفة سعة في الانتشار، إذ تُحدثنا الإحصاءات أن هناك سبعمئة وواحدا وعشرين مليونا ممن يتحدثون العربية، ناهيك عن أن ما يقارب نصف هذا العدد يدرك اللغة ويتعبد بها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحذر ومصداقية يستند إلى الدواعي التي جعلت منها لغة مهمة دون غيرها من اللغات السامية الأخرى، خصوصا وأنها لعبت دورا بارزا حضاريا وثقافيا في العصور الوسطى من خلال نقلها إلى اللغات الأجنبية المعارف الإنسانية والعلوم الأساسية.

هناك نظرية تستوحي أهمية اللغة العربية قبل أن تستلهم عنفوان وجودها وأهميتها بنزول القرآن الكريم، إذ تقول إن أقدم الكتابات العربية قد تم اكتشافها في الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية وتعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إذ كانت مكتوبة بالخط المسندي، فيا تُرى ما هو هذا الخط؟ وما مدى علاقته باللغة الكاذماتية التي اشتقت منها اللغة العربية في نظرية أخرى، والتي تم العثور على نقوشها في فلسطين في القرن العاشر قبل الميلاد؟

لعلنا حين نتحدث عن اللغات وأصولها ومعطياتها ومؤثراتها نكون أكثر دقة إذا ما ناقشنا حوافرها وأساسياتها. فاللغات السامية بأساسياتها الشرقية والجنوبية تعود بحسب النظريات التي وصلتنا إلى أنها نشأت في أفريقيا وانتقلت عبر الجزيرة العربية إلى الدول المحيطة غرب الدلتا والتي تعرف الآن بمنطقة الشرق الأوسط.

على أن هناك نظرية أخرى تؤمن بأن اللغة السامية نشأت وتطورت وانطلقت من الجزيرة العربية، في حين أن هناك من يدّعي أنها نشأت في الهلال الخصيب وانتشرت منها جنوبا وشمالا.

وأيا يكن هذا، فالسامية التي انطلقت منها العربية مع اللغات الأخرى كالأمهرية والسريانية والمندائية وغيرها، لم تخرج من محيط الدول الحالية التي يقطنها العرب الآن، وانطلقت منهم مع الإسلام إلى شتى بقاع العالم لتنقل الحضارة والعلوم. فالتطور في اللغة بما لا يقبل الشك يطوِّر الأقوام وينتج ثقافات جديدة مبنية على المعطيات البيئية والاجتماعية المنعكسة على الواقع المعاش.

فقد تكون اللغة السامية أول لغة في منطقة وجودها ونشأتها، إلا أنها سرعان ما تطورت لتصبح لغات سامية وسطى وجنوبية وغربية وجنوبية شرقية وغربية شرقية وغيرها من المسميات. واقترنت بها لغات كثيرة عُرفت بها حضارات مهمة.

فعلى سبيل المثال، هناك اللغة السامية الشرقية التي اقترنت بها الأكدية والبابلية الآشورية والإيبلاوية. ونحن هنا لسنا بصدد تصنيف اللغات وعلاقتها باللغة السامية وأصولها بقدر ما وددنا أن نخترق أتون الفحص اللغوي، لنبين في نهاية المطاف ما للغة من أثر في التطور الحضاري والمعرفي. فكلما استجد الحال وتطور استجدت اللغة وتطورت وصارت تبحث عن سبل إيجاد معاني الكلمات وصورها التي دخلت على اللغة أو كانت موجودة ولكن غير مستخدمة مسبقا.

بعد أن ذكرنا اللغة الكاذماتية وعلاقتها باللغة العربية، يمكننا أن نجمل حقيقة مفادها أن الكنعانيين كانوا يتحدثون بها منذ عصور كثيرة قبل الميلاد. وضمن التصنيف اللساني، تعتبر اللغة التي كان يتحدث بها الكنعانيون لغة تنتمي إلى السامية الشمالية الغربية التي تلتقي معها اللغة الآرامية بمفردات وقواسم مشتركة كبيرة.

فعلاوة على أنها لغة حية ولغة دين، فقد أنجبت من خلالها الآرامية الشرقية والآرامية المسيحية الشامية والآرامية المسيحية الفلسطينية والسامرية والفينيقية والأدومية والعبرية وغيرها من اللغات التي اندثرت تاركة أثرا ثقافيا، وربما دينيا أو حضاريا. وعليه، فإن العلاقة بين ما وجد من أصول للغة العربية من طراز الخط المسندي وبين الكاذماتية، تبين أن أصولهما واحدة ولكن لكل منهما أثره في التطور الحضاري والعلمي والبشري.

إن التأكيد على الخط المسندي دون غيره لم يأتِ من فراغ، ففي القرن الثامن قبل الميلاد وجد المنقبون في كل من الجزيرة العربية والعراق وسيناء، نماذج من هذا الخط يعود للفترة ما بين القرن الميلادي الأول والقرن الرابع الميلادي، وهو امتداد جغرافي لانتقال اللغة من الجزيرة إلى سيناء وما يحيط بها أو العكس.

لأن هذا التقسيم الجغرافي ضمّ الجزيرة والهلال الخصيب وما يحيط به من دول، وهو ما يعني أنها حلقة مربوطة بعضها ببعض وتطورت لغاتها ضمن تطور المجتمع وتراكم المعرفة عند البشر الذين يقطنون تلك المنطقة.

ولعل هذا الانتشار للغة السامية وفروعها كان له مردوده الأساسي المتولّد عن كونها اللغة الأولى التي استخدمت الأبجدية في كتاباتها ومنها انتقلت إلى اليونانية واللاتينية، ناهيك عن اللغات المشتقة منها والتي اقترن اسمها بحضارة تركت أثرا كان آخرها اكتشاف كتابات أكدية سامية تعود للألفية الثالثة قبل الميلاد، أي ما يقارب الخمسة آلاف سنة. وبهذا، تعتبر اللغة الأكدية السامية ذات العلاقة القوية باللغة العربية بمفرداتها ونصوصها من أقدم اللغات المكتوبة عالميا.

ولولا ديناميكية التطور اللغوي المتفاعلة مع الواقع ما كان للغة السامية أن تتطور وتبقى كل هذه العصور وتنتج الحضارات، التي نعتقد أن أصولها عربية وليس العكس لأنها لو كانت غير عربية أصلا لاندثرت، وزال كل ما نتج منها. فاللغة العربية لم تكتف بالخط المسندي والأبجدية الأولى، بل إن تفاعلها خلق منها حالة لغوية جديدة مع واقع التطور البيئي لتنتج خطوطا أخرى تستخدم في الكتابة.

فعلى سبيل المثال، ما وصلنا من التنقيب يبين أن هناك خطوطا كانت تُستخدم في الجزيرة العربية ما عدا المسندي، وقت كان الكنعانيون يستخدمونها حين ولادة اللغة العربية (الكاذماتية) التي اشتقت منها السامية. ولعل من أهم هذه الخطوط: الحسائية واللحيانية والصفائية والثمودية والنبطية والديدانية، وكل منها كان مقترنا بواقع حال وبحضارة خاصة.

وعليه، فإن اللغة هي المعبر الحقيقي للقوة التي تستند إليها أية حضارة تريد لنفسها البقاء. ومن هذا المنطلق، لا بد لنا أن نطوّر اللغة العربية التي نزل بها وكرّمها القرآن الكريم، والاستفادة منها في نقل العلوم وتقبلها لتضفي الجديد المتجدد على لغتنا العربية الجميلة.

التعليقات

  • دراسات عن اللغات السامية
    دراسات عن اللغات السامية

    يطلق اسم اللغات السامية على مجموعة من اللغات واللهجات, تربطها بعضها ببعض علاقات قرابة لغوية متينة انتشرت قديماً في المنطقة التي يحدها من الشرق دجلة والفرات , ومن الغرب البحر المتوسط ,ومن الشمال جبال أرمينيا , ومن الجنوب الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية , وبعض هذه اللغات واللهجات قد مات واندثر ولم يبقَ من آثارها شئ إلا بعض النقوش

  • تدريس اللغة العربية على ضوء المدخل اللغوي الاجتماعي
    تدريس اللغة العربية على ضوء المدخل اللغوي الاجتماعي

          العلاقة بين اللغة والثقافة أوضح من أن تذكر، فاللغة العربية – كغيرها من اللغات البشرية- وعاء الثقافة أي وعاء الثقافة العربية، فاللغة العربية هي الوسيلة الأولى – والوحيدة في كثير من المجالات – للتعبير عن الثقافة العربية . فلغة العرب وثقافتهم تسيران يدا بيد. ومن العسير على الدارسين غير الناطقين باللغة العربية -  بما فيهم الدارسون الإندونيسيون – أن يفهموا اللغة العربية فهما دقيقا ويستخدموها استخداما جيدا دون أن يفهموا ما يرتبط بها من مفاهيم ثقافتها العربية.

  • مواد البيان
    مواد البيان

    عنوان الكتاب: مواد البيان المؤلف: علي بن خلف الكاتب حالة الفهرسة: غير مفهرس سنة النشر: 1424 - 2003 عدد المجلدات: 1 رقم الطبعة: 1 عدد الصفحات: 470 الحجم (بالميجا): 5

  • الطفل واللغة
    الطفل واللغة

    الطفل واللغة 

  • قاموس رد العامي إلى الفصيح
    قاموس رد العامي إلى الفصيح

     قاموس رد العامي إلى الفصيح 

  • اللّغة العربية - من الجمال إلى الكمال
    اللّغة العربية - من الجمال إلى الكمال

    من الجمال إلى الكمال (الحلقة الأولى) قبل الغوص في إشكاليات اللغة العربية، حريٌ بنا أن نعرفها جيدا ونُعرف بها. ففي هذا الفيلم الأول سنتطرق إلى نشأة اللغة العربية قبل ظهور الإسلام كما سنعالج علاقتها بلغات أخرى. كما نسلّط الضوء على أهم مرحلة في تاريخ اللغة العربية ألا وهي نزول الوحي بلسان عربي ومن تم سيتطرق إلى اللغة العربية في خضم مسار تاريخي عرف مدا وجزرا تأثيرا وتأثرا. أول قناة عربية متخصصة في عرض الأفلام الوثائقية إذ تقدم لمشاهديها طيفا واسعا من الوثائقيات ذات الجودة العالية تتناول بالتحليل المعمق القضايا الإنسانية والسياسية والتاريخية والثقافية. كما تتيح لمتابعي مواقعها الرقمية ومنصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي ملاحقة ما تبثه شاشتها في الوقت الذي يرغبون عبر وسيلتهم المفضلة