يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية تنظيرية معاصرة تهدف إلى إخراج فن البديع في الدرس البلاغي والنقدي العربي من إطاره التقليدي الضيق المحصور في النظرة "التحسينية التزيينية الجافة" إلى أفق أوسع يتساوق مع طروحات اللسانيات والأسلوبية الحديثة.
ينطلق العمل من استعراض المواقف المتباينة للنقاد القدامى والمحدثين تجاه الظاهرة البديعية بين الرفض والتأييد، متتبعاً بذور هذه الرؤية منذ التأسيس المبكر مع ابن المعتز، وتأطير السكاكي وابن مالك والقزويني للبديع بوصفه وجوهاً لتحسين الكلام تقتضيها أحوال السياق، ويناقش البحث الإشكالات التي واجهت هذا الفن عند بعض الأعلام كالآمدي، والقاضي الجرجاني، والباقلاني، والزمخشري، الذين عزلوا البديع عن مقومات الإعجاز القرآني وعمود الشعر العربي باعتباره زخرفاً شكلياً خارجياً يمكن اكتسابه بالتصنع والتدريب.
في المقابل، يبرز العمل الرؤى المتقدمة والمنصفة للبديع عند الجاحظ، وقدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، والسبكي، ممن رأوا في البديع حسناً ذاتياً وبنية سياقية متغيرة ترتبط بجماليات التشكيل اللغوي. ويقترح الباحث آليات أسلوبية تطبيقية تتجاوز أحادية النظر النقدي المعياري، مستندة إلى دراسة معطيات البديع على وفق ثلاثة مستويات لسانية رئيسية:
المستوى الصوتي (من خلال استنطاق دلالات التكرار، والجناس، والسجع)، والمستوى التركيبي (عبر رصد سياقات النظم في مباحث الاحتباك، والحذف، والاعتراض، والالتفات، والعكس والتبديل، والفاصلة)، والمستوى الدلالي (الذي يبحث في معاني المعاني عبر أساليب الاستغراب، والتناص، والتضاد، وحسن التعليل، والمبالغة)؛ وذلك لإعادة بعث الحياة في هذا الفن الكامن، وإثبات كفاءته التعبيرية بوصفه أداة تأثير فني قادرة على كشف جماليات النص الأدبي وخصوصيته اللسانية.