تمثل هذه الدراسة ورقة علمية محكّمة منشورة ضمن سجل ندوة "الدراسات البلاغية: الواقع والمأمول" (عام 1432هـ).
تسعى الدراسة إلى إبراز ريادة وأسبقية التراث البلاغي والنقدي العربي القديم في مقاربة حضور "المتلقي" ودوره الفاعل في إنتاج الخطاب وصياغته الأسلوبية، موازنةً هذه الأصول بالطروحات اللسانية وتيارات "بلاغة التلقي" الغربية المعاصرة، يستهل الباحث متنه برصد تراجع النقد الانطباعي أمام المدارس الأسلوبية والبنيوية الحديثة التي غلت في التركيز على داخلية النص وجسده اللغوي، ويبرهن الكاتب من خلال جرد آراء فحول التراث (كالجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والسكاكي، وابن رشيق) على أن علوم البلاغة الثلاثة (المعاني والبيان والبديع) تأسست أصلاً على فكرة "مراعاة مقتضى الحال" التي تجعل من المخاطب شريكاً حيوياً لا يتحقق الفعل الإبداعي إلا بوجوده، وتستعرض الدراسة تجليات هذا الحضور عبر ثلاثة مستويات متداخلة: الجانب النفسي (كأضرب الخبر وإنزال غير السائل منزلة السائل)، والمستوى الاجتماعي والطبقي (كمراعاة تفاوت مقامات الخطاب وفروق البيئات والمهن والأجناس)، والمستوى الثقافي والفكري الحجاجي، وتخلص الخاتمة إلى تأصيل نزوع البلاغة العربية نحو الوضوح الفني والتجويد اللغوي والانزياح، مؤكدةً أن استحضار المتلقي لم يكن غاية في حد ذاته بل وسيلة لخدمة المعنى وإحداث طاقة الإمتاع والدهشة والإبهار.